ضوء الظل
من المعروف في العمل الفني سواء اللوحة أو حتى الصورة، بأنها تستند على اتفاق بين التظليل والإضاءة، فهما يقومان مقام التلوين يكسبان الاجسام الحيوية والتألق، كما انهما يعطيان الفنان القدرة على التعبير عن خصائص الاجسام من حيث الحجم والعمق. ومن المسلم به أيضا ان مكان سقوط الظل يكون بدرجة متفاوته تبعا لمناطق الظلال القاتمة او الفاتحة. فإذا كانت الاشياء قريبة من الضوء فسوف تظهر صغيرة واذا كانت بعيدة ستظهر كبيرة. لكن هذا العمل يتمرد على كل تلك الحقائق والمسلمات، فالظل هنا يتحول الى نور، ولا فرق في التظليل بين درجات المناطق القاتمة و المناطق الفاتحة، ففي نهاية المطاف يتحول هذا الظل الى نور، بل الى ضوء مشع، والذي كان يعرف نهارا بالظل. سمة العمل هي التجريد، و المساقط الضوئية الناتجة لهذه الظلال، ترسم لوحات رمزية تحمل في طياتها مفهوما عكسيا لهذه الظلال.

فكرة العمل والتي هي في الواقع فكرة لمشروع ضخم يتم تنفيذه في أماكن بيئية خارجية من مناطق متفرقة في المدينة، بواسطة (قلم التحديد) المستخدم في تثبيت الشكل الخارجي لظلال الأشياء، كخطوة مبدئية، ومن ثم تصبغ بألوان خاصة تمتاز بالإشعاع في الظلام، بالتالي هذه الظلال تكون ظلالا في النهار ويتغير مفهومها في الليل الى ضوء مشع. فما يميز هذا العمل انه عند تنفيذه مباشرة على أسطح الأماكن الخارجية، يبقى في ذاكرة المشاهد حتى بعد إزالته، فطبيعة مثل هذه الأعمال تأخذ الوقت الطويل حتى يتم انجازها. والتي بدورها تحتاج الى ترخيص من قبل السلطة والجهات المختصة لتنفيذها، لذلك فكرت في تحول العمل الى قطع اكريليك مضاءة تعرض داخل غرفة مظلمة، وبذلك تكون المنطقة المظللة مضاءة .
( ظل الضوء) هو مشروع مباشر على الأرض، الجدران، الأشياء و الأشخاص، باستعمال اثنين من الأدوات الأساسية: الألوان و قلم التحديد، فهذه هي الوسيله البسيطة في صناعة و رسم الاشكال، إنه سلوك سهل، متواضع و معتاد في تقديم التفاعلات الانسانية مع البيئة. وقد نجد انفسنا مذ كنا صغارا قد قمنا بهذا السلوك والذي يشبه بالشخبطة على الجدران، أماالجزء " الدقيق" في العمل - والذي هو بالنسبة لي الهدف- وهو اعادة تقديم التقنية، واعادة تعريف الأشياء بمفهوم وسمات جديدة، بواسطة تقنية هذه اللوحات المشعة يتحول مفهوم الظل الى ضوء، وبالتالي اقدم مفهوما عكسيا للظل بعرض العمل داخل الغرفة المظلمة وعرض الظل في صورة ضوء مشع. وقد يخرج العمل بصورة أخرى إنما بنفس نمط الفكرة ذات التصور الفني الذي يتوافق مع هذا المبدأ من الدقة. وربما يمكن أن أكون أكثر دقة إذا ما قلت ، أن هذه الفكرة جاءت من تأملاتي في خلفيات الفناءات، الجدران الواسعة والشوارع الضيقة. هذه التأملات ايضا تفاعلت مع البشر، الاشجار، النباتات، الأرض وما عليها من ظلال.

وباعتبار أن لكل عمل أدوات وعناصر فنية تحددها طبيعة العمل الفني نفسه، فأدواتي هنا هي الفرشاة والألوان التي تعتبر من الأدوات القديمة المستخدمة منذ الأزل، إنما الكانفاس هنا يختلف تماما عن الكانفاس التقليدي المستخدم قديما، فبدلا من الكانفاس استخدمت سطح الأرض، الجدران، اسطح الاشياء، و حتى البشر. فهذا العمل ذو علاقة وطيدة بالبيئة فقد تقرر نقل العمل من صالة العرض ليتم عرضة مباشرة مع المواد في البيئة الخارجية، فظلال الأشياء تتراءى امام الانسان العادي إلا انه لم يلتفت لها، فهذا النوع من الانشغال في انتاج اشياء من مواد كانت مهملة و غير مهمة للإنسان الآخرهو ما يميز فن البيئة. فمن خلال هذا العمل أسعى الى التعبير عن القوة الموجودة في الطبيعة، والتي يمنحها الفنان للطبيعة وذلك بإضافة وتغيير أشياء منها و إليها.