الرقم والزمن
عملت على إعداد سلسلة من الصور التوثيقة لأناس لا أعرفهم و لآخرون أعرفهم بشكل شخصي ، سمحت لنفسي خلال هذا العمل بتقديم صورة تلقائية عن التعبير الزمني والداخلي لهؤلاء الاشخاص ، رغبة مني في إظهار درجة الواقعية والمصداقية في أرشفة وتحديد هذه الارقام بالعناصرالمرئية في الصورة. عبرت هذه الأرقام عن الطبيعة الفيزيائية والذهنية للكائن البشري في ادراك العلاقة الخاصة بين الجسد والمعايير المختلفة للزمن والمرتبطة بالرقم الذي عبر عن التاريخ الزمني للحياة البشرية، فالحياة طاقة نمتلكها منذ لحظة الولادة، إلا ان طبيعة الفرد هي التي تحدد كيفية استخدام هذه الطاقة في الحياة، فيوميات الحياة تظهر في كل خية من الجسد البشري من خلال عمل( الرقم والزمن ). ارتبط عمل (الرقم والزمن) بفن الجسد، سواء بجسد الفنان أو المشاهد. فهذا العمل يجعل المشاهد يتعامل بجسده في تنفيذه وأداء بعض الحركات بيده، بدلاً من أن يقف أمام العمل، فمن خلال هذا العمل تم لفت انتباه المشاهد الى أن جزءا كا ن غائبا أو مشغولا عنه ، فكل جزء من جسده كاليد مثلا يريد أن يصل برسالة من ذكريات الطفولة ، تعبر عن رموز كثيرة كالموت والحياه ، فإدراك الموت مرتبط بمعان غامضة من الشعور بالزمن ، في تعبير ساخر عن ذات الشخص برقم رباعي. هناك مشهد غائب عن المشاهد الواقف المتأمل لعمل( الرقم والزمن) فالمشاهد يقوم خلاله بالبحث عن شكل غائب لا يظهر في الصورة، باحثا عن الشخص غير الحاضر فيها ، والذي يقف خارج الاطار. تاركا وراءه رقما يعبر عن ميلاده ، حياته ، شقائه، سعادته، أو حتى مماته، مع جزء من جسده هو يده، ليقف المشاهد أمام تساؤلات من هو أو هي ؟ وكيف تبدو؟ ...وغيرها.

إجابات هذه التساؤلات يمتلكها صاحب العمل فقط، ففي أثناء تصويري للعمل تعرفت على أشخاص كثيرين من أجناس، أعمار، جنسيات ، شخصيات، أشكال وألوان مختلفة، قد يتشابهون بالرقم إنما يختلفون في طرق معيشتهم، أهدافهم، طبيعة بيئتهم، طبيعة الشخصية الانسانية، والتي ظهرت من خلال لحظات التصوير في ترددهم ، تلقائيتهم، بساطة تساؤلاتهم، فأعتبرت هذا العمل سيرة ذاتية لأشخاص قابلتهم، طبعت كل يد بصمة غير مرئية حملت خلالها اليد تراكمات من غبار الذكريات منذ الميلاد وحتى تلك اللحظة، على الورق أو حتى القلم المستعمل في الكتابة، فقد غابت صفات فيزيائية غير مرئية لمشاهدة العمل، فالتلامس الذي حصل بيني وبين الاشخاص لم يكن مدركا لدى مشاهد الصورة، و الإحساس بالليونة ، والخشونة أو الحرارة والبرودة ، أصوات الأحاديث والضحكات وغيرها من الانفعالات وتأثيرات جو مكان التصوير كذلك العوامل النفسية من حالات السعادة الحزن أو الفرح والضيق كلها، جزء من تنفيذ العمل. عبرت اليد شكل عام من مدلولات مختلفة ، فاليد المتناسقة تدل على اتزان عام في الطبيعة الانسانية، واختلفت من الضخامة التي تدل على الدهاء، واختلفت في شكل اليد فكثافة الشعر عند الرجل تختلف عن المرأة والذي يتأثر بطبيعة الهرمونات وطبيعة توازن الجسم ، فاليد الناعمة دلت على بيئة صاحبها وعلى حياة الرفاهية بعكس اليد الخشنة التي تدل على شقاء الحياة والمشاق اتي يتكبدها صاحبها.

كذلك اختلاف خطوط الأصابع والتي عبرت عن آثار الزمن بدقتها في سن الكهولة والتي تأثرت بالفعل بصعوبة الحياة التي يعيشعا الفرد فالاصابع ذات الخطوط الدقيقة تدل على مبالغة صاحبها في حب التنظيم ، والاصابع الناعمة ذات الأظافربما تحمله من بقع بيضاء دلت على عصبية المزاج وضعف البنية, وألوانها الحمراء الوردية وما تحملة من دلالات على اللياقة ، وغيرها من أشكال محدبة تدل على شراسة وقسوة الطباع. من هنا يظهر أن حلقة التطور الانساني في الخصائص العامة تتأثر وتتلاثى بسرعة مع الزمن.

الجزء الأول من العمل عبارة عن صورتين فوتوغرافيتن كبيرتين علقت على الجدار ، كل صورة تعرض صورة يد مختلفة ذات معنى وجنسية،ميلاد، طبيعة حياة و مهن متفاوتة ، الجزء الثاني من العمل هو عمل تركيبى صمم على شكل رف معلق يحتوى على أرشيف مرتب أبجديا لمجموعة ملفات عددها (27) ملف ، تحتوى هذه الملفات على مايقارب (2000) صورة فوتوغرافية ومعلومات عن أصحاب هذه الأيادى هؤلاء الأشخاص مثلو أمام الفنانة، هذه الملفات تحوى بيانات على معلومات شخصية من الأسم العمر الجنسية والمهنة .. تم ترتيبها من حرف(A) الى حرف (Z)، تم انتاج هذه المجموعة المأرشفة قبل شهر من افتتاح بينالى الشارقة السابع وأثناء افتتاح البينالى. اقتضت البيئة التى تم تنفيذ العمل فيها وهى دولة الامارات الى تكرار بعض الحروف والأسماء وعدم تواجد البعض منها ، حيث أن الدولة بما تحويه من مجموعات جنسيات متعددة (عربية، آسيوية و غربية ) ومجتمع متشعب ذو عادات تقاليد وديانات وفروق اجتماعية، ثقافية وذوى خلفيات متنوعة منخرطة فى نشاطات مهنية متعددة وذات فوارق عمرية وبين الناس من طبقات اجتماعية عليا وعمال وبين صحيح جسد والمعاق . الأمر الذى يدعونى الى التفكير بأن طبيعة هذا العمل تختلف من بلد الى آخر حيث أنه لوتم تنفيذ العمل فى دولة أخرى كاليابان أو الصين أو حتى أى دولة غربية سوف تتحول هذه العملية الأرشيفية الى طبيعة الشعوب، فطبيعة دولة الأمارات فرضت مسارا لخطة العمل استهدفت الفئات المرؤوسة والتى يمارس على أفرادها هيمنة من قبل المؤسسة أو طبيعة الشعوب المهيمن عليها كالمداس،الجامعات،العمال،المصانع والتى تضمنت الطبقات الوسطى فى المجتمع أو المستعبدة.

أما الجزء الثالث من العمل والذى أعطى للعمل سمة الاستمرارية ، ففي اثناء عرض العمل تم اعداد استوديو تصوير فوتوغرافى فى المساحة الخاصة بعرض العمل، وقمت بدور المصور فيها لتصوير ايادى الاشخاص والزوار لاكتمال عملية ارشفة هذا العمل. حيث تم تفعيل دور الجمهور في العمل، فالمشاهد يحتفظ بجزء من العمل وهي صورة يده، ويبقى العمل بذلك في ذاكرة المشاهد وفي أرشيف الفنان، إلا أن سمة الصورة مغايرة عن الصورة السائدة، حيث في العادة يذهب المشاهد للمصور أو للاستوديو لإلتقاط صورة شخصية ، تختلف عن طبيعة صورة هذا العمل الفني.